في السنوات الأخيرة، تسارع تطوير البنى التحتية الرياضية في البلاد. لم يعد بناء وتجديد الملاعب مقتصراً على إنشاء المدرجات أو العشب أو الهياكل المعمارية فحسب، بل أصبحت جودة المعدات الفنية أحد أهم معايير تقييم الملعب الاحترافي. وفي هذا السياق، يحتل نظام الإضاءة مكانة خاصة ويمكن اعتباره أحد أهم العوامل المؤثرة في جودة المجمع الرياضي.
إن إضاءة الملاعب ليست مجرد أداة لإنارة أرض الملعب، بل هي أحد أهم البنى التحتية التي تؤثر على جودة تنظيم الفعاليات الرياضية وتجربة الجمهور والمعايير الدولية. يستعرض هذا التقرير أهمية الإضاءة في الملاعب الحديثة ودور التقنيات الجديدة والمتطلبات الفنية واتجاه تجديد البنية التحتية للإضاءة في إيران. وفي هذا السياق، يشرح مجتبي شفيعي، نائب البحث والتطوير، ومسعود مهرشاد، نائب التنفيذ في شركة جولنور، بالاعتماد على معرفتهما الفنية وخبرتهما التشغيلية، التحديات وضرورة التصميم المنهجي وتأثير الإضاءة القياسية على مستقبل الملاعب.
أبعد من أداة؛ الإضاءة كهوية الملعب
يرى كثيرون أن إضاءة الملاعب مجرد وسيلة لجعل أرض الملعب مرئية، بينما في الهندسة الحديثة يتجاوز دور الضوء هذا المنظور البسيط بكثير. وفقاً لمسعود مهرشاد، تُعد الإضاءة المناسبة جزءاً من هوية الملعب وأحد العوامل المؤثرة في جودة تنظيم الفعاليات الرياضية. عندما يتواجد آلاف المشجعين في الملعب ويتابع الملايين المباراة عبر التلفزيون والمنصات الإلكترونية ووسائل الإعلام الرقمية، تؤثر جودة الضوء مباشرةً على تجربة الجمهور.
كما أن تنوع متطلبات التصميم يُعد أحد التحديات الكبرى في هذا المجال. كما يوضح مسعود مهرشاد، في الملاعب الرياضية وبحسب أبعاد ونوع المشروع، قد يُركَّب بين 10 و70 مصباحاً على كل برج إضاءة. وبما أن زوايا الإشعاع ومواقع تركيب كل مصباح تختلف في التصميم الهندسي، يجب أن يتمتع كل بروجكتور بحرية الحركة في اتجاهات مختلفة؛ وهو أمر يرفع، في رأيه، حساسية ودقة أعمال التركيب بشكل كبير.
متطلبات البث التلفزيوني والمعايير الدولية
تولي المعايير الدولية لكرة القدم والرياضات الاحترافية الأخرى اليوم اهتماماً خاصاً بموضوع الإضاءة. ومن أهم المعايير التي تُؤخذ في الاعتبار عند تصميم وتنفيذ أنظمة إضاءة الملاعب: توحيد الضوء، وشدة الإضاءة المناسبة، والتحكم في الوهج، وعرض الألوان بدقة، وتوفير ظروف مثالية للتصوير الاحترافي.
يؤكد مجتبي شفيعي أن الإضاءة المناسبة، إلى جانب تحسين رؤية اللاعبين والحكام والطاقم التنفيذي، تلعب دوراً مهماً في تعزيز سلامة المباريات ورفع جودة البث التلفزيوني. ويعتقد أنه مع تطور تقنيات التصوير وارتفاع جودة بث المباريات، ازدادت أهمية الإضاءة القياسية؛ إذ تُبث كثير من المباريات اليوم بجودة HD و4K، وأدنى ضعف في نظام الإضاءة قد يؤثر سلباً على جودة الصور. لذلك تُعتبر الإضاءة في الملاعب الحديثة حول العالم أحد البنى التحتية الأساسية للمجمع، وتُجرى لها دراسات فنية دقيقة.
يشير مجتبي شفيعي فيما يلي إلى احتياجات الإضاءة للمنافسات الكبرى ويقول: الملاعب التي تستضيف منافسات دولية تحت إشراف الفيفا أو الاتحاد الآسيوي (AFC) تحتاج إلى 2000 لوكس على الأقل. لذلك يجب تصميم أنظمة الإضاءة لتلبية هذا الحجم من التدفق الضوئي وجودة البث المرئي بدقة.
الذكاء والمرونة في هندسة الإضاءة
من السمات الرئيسية للإضاءة في المشاريع من الدرجة الأولى توافق المعدات مع مختلف الهياكل المعمارية للملاعب وقدرات التحكم بها. يوضح مجتبي شفيعي، مستشهداً بخصائص الجيل الجديد من مصابيح الملاعب (مثل مصباح فراز)، أن الملاعب الحديثة، بحسب تصميم الهيكل، تحتاج إلى أساليب مختلفة لوضع الإضاءة؛ ويمكن تركيب هذه المعدات على أبراج الإضاءة المرتفعة أو مباشرةً على حافة سقف الملعب (على غرار نموذج التنفيذ في ملعب بارس).
ويضيف فيما يخص تنفيذ سيناريوهات الإضاءة الذكية:
«أتاحت إمكانية التعتيم (الزيادة والنقصان الذكيان لشدة الضوء) والتحكم عبر بروتوكول DMX المتخصص حرية أكبر للمصممين والمنفذين. وبهذه التقنية يمكن تنفيذ سيناريوهات جذابة لعروض الضوء وإدارة ديناميكية لشدة الإضاءة في فترات ما بين الشوطين أو حفلات الافتتاح والختام أو الفعاليات الثقافية والرياضية المختلفة، مما يرفع بشكل ملحوظ الجاذبية البصرية وأجواء الملعب.»
سلسلة توريد موحدة في إضاءة الملاعب؛ تغطية شاملة للمشروع من أرض العشب إلى المساحات الإدارية
وفقاً لمجتبي شفيعي، الملعب الحديث هيكل متعدد الأوجه يضم، إلى جانب أرض الملعب، مساحات إدارية واسعة وقاعات مؤتمرات ومرافق رفاهية. ومع التأكيد على نهج الحل الشامل (Comprehensive Solution)، يعتقد أن تأمين بروجكتورات الملاعب الضخمة ومصابيح المكاتب المتخصصة (Indoor) في آن واحد عبر سلسلة توريد واحدة يضمن التنسيق الفني للمشروع ويقلل مخاوف أصحاب المشاريع في الإدارة والتنفيذ ودمج أنظمة الإضاءة.
كما يوضح مسعود مهرشاد، تحتاج المساحات الإدارية والداخلية في الملاعب إلى مصابيح ذات تحكم عالٍ في الوهج وتصميم حديث قادر على مواكبة الأنظمة الخارجية وتحسين كفاءة الطاقة الكلية للمبنى. إن استخدام سلسلة توريد موحدة للمشروع بأكمله لا يخلق هوية إضاءة متكاملة وحديثة في أنحاء الملعب فحسب، بل يرفع أيضاً الكفاءة الاقتصادية للمشروع ويسهّل بشكل كبير الصيانة مستقبلاً.
تقنية إضاءة نمو النبات (Grow Light)؛ ركيزة جديدة في صيانة عشب الملاعب
يشمل تعريف الإضاءة اليوم في ملاعب الدرجة الأولى عالمياً الأبعاد البيولوجية وصيانة المباني أيضاً. يشير مسعود مهرشاد، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على جودة سطح اللعب،:
«أحد التحديات الكبرى في الملاعب الحديثة، ولا سيما المغطاة أو ذات المظلات العميقة، هو عدم وصول العشب الطبيعي لأرض الملعب إلى ضوء الشمس الكافي. ويُستخدم اليوم، كأحد المبادئ الأساسية في بناء وصيانة الملاعب الاحترافية، نظام إضاءة نمو النبات المتخصص (Grow Light) في أوقات الظلام وعند عدم إقامة المباريات لتحسين وتقوية وإعادة بناء بنية العشب الطبيعي. إن دخول شركة جولنور في مجال تصميم وإنتاج مصابيح نمو النبات أكمل عملياً سلسلة التوريد الفنية للملاعب، ويمنح أصحاب المشاريع إمكانية الحفاظ على أهم جزء حي في الملعب — أي عشب المباراة — وفق معايير الإضاءة الحديثة.»
اتجاه التجديد ودخول التقنيات الجديدة إلى ملاعب إيران
يعتقد مسعود مهرشاد أن ملاعب إيران بدأت أيضاً في السنوات الأخيرة مساراً مهماً في تجديد البنية التحتية للإضاءة. وعملت كثير من الملاعب في البلاد في السنوات الماضية بأنظمة إضاءة قديمة تستهلك طاقة كبيرة وتتطلب تكاليف صيانة ملحوظة وفي كثير من الحالات لم تعد تلبي المعايير الجديدة.
وفي هذا السياق، أحدث دخول تقنية LED والجيل الجديد من بروجكتورات الملاعب تحولاً كبيراً في هذا المجال. وفقاً لمجتبي شفيعي، توفر هذه التقنية إمكانية الوصول إلى مستويات إضاءة أعلى مع خفض استهلاك الطاقة بشكل كبير. ومن بين مزاياها: عمر أطول للمعدات، وتكاليف صيانة أقل، وجودة ضوء أفضل، وتحكم أدق وأكثر مرونة — ما دفع معظم المشاريع الجديدة اليوم نحو استخدام هذه التقنية. على سبيل المثال، توفر الأنظمة الحديثة إمكانية ضبط زاوية التركيب للوحدات المختلفة بشكل منفصل أو مركزي، مما يحسّن بشكل ملحوظ حسابات الثبات الإنشائي وكفاءة الإضاءة.
كان أحد التحديات التقليدية في الملاعب ضبط البروجكتورات بدقة بعد تركيبها على أبراج الإضاءة المرتفعة. يوضح مجتبي شفيعي، مستشهداً بحل مبتكر في هذا المجال، أن المصممين يحددون اليوم «نقاط التوجيه» (Aiming points) على أرضية الملعب لتسهيل التركيب. وباستخدام أنظمة مزودة بليزر داخلي، يمكن للفنيين استهداف النقطة على العشب من أعلى البرج بسهولة وإجراء ضبط دقيق لزاوية البروجكتور دون أخطاء.
آفاق المستقبل؛ استضافة المنافسات الاحترافية
في النهاية، يعتقد مسعود مهرشاد أن أحد أهم مزايا تجديد أنظمة إضاءة الملاعب هو توفير ظروف مناسبة لاستضافة المنافسات الوطنية والدولية. الملعب الذي يلبي معايير الإضاءة المعاصرة في جميع أقسامه الداخلية والخارجية وحتى منطقته البيولوجية (العشب) يمكنه توفير ظروف أفضل لتنظيم الفعاليات الاحترافية والبث التلفزيوني عالي الجودة وحضور الجمهور. وفي مثل هذه الظروف، لا يعود نظام الإضاءة مجرد أداة لإنارة أرض الملعب، بل يصبح عاملاً في رفع جودة الفعالية الرياضية ككل وتطوير البنية التحتية الوطنية.